الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

259

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

على أدبارها . ولعلنا لسنا بحاجة إلى أن نذكر بأن المراد من هذه العبارة هو تعطل عقولهم وحواسهم من حيث عدم رؤية حقائق الحياة وإدراكها ، والانحراف عن الصراط المستقيم كما جاء في حديث عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) من أن المراد : " نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها في ضلالتها ذما لها بأنها لا تفلح أبدا " ( 1 ) . توضيح ذلك أن أهل الكتاب ، وبخاصة اليهود منهم ، عندما أعرضوا عن الإذعان بالحق رغم كل تلك العلائم والبراهين ، وعاندوا تعنتا واستكبارا وأظهروا مواقفهم المعاندة في أكثر من ساحة ، صار العناد والزور طبيعتهم الثانية شيئا فشيئا ، وكأن أفكارهم قد مسخت وكأن عيونهم قد عميت وآذانهم قد صمت ، ومثل هؤلاء من الطبيعي أن يتقهقروا في طريق الحياة بدل أن يتقدموا ، وأن يرتدوا على الأدبار بدل أن يتحركوا إلى الأمام ، وهذا هو جزاء كل من ينكر الحق عنادا وعتوا ، وهذا في الحقيقة يشبه ما أشرنا إليه في مطلع سورة البقرة الآية ( 6 ) . وعلى هذا ، فإن المراد من " الطمس وعفو الأثر والرد على العقب " في الآية الحاضرة هو المحو الفكري والروحي ، والتأخر المعنوي . وأما العقوبة الثانية التي هددهم الله بها فهي اللعن والطرد من رحمته تعالى إذ قال : أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ( 2 ) . وهنا يطرح سؤال وهو : ما الفرق بين هذين التهديدين ، حتى يفصل بينهما ب‍ " أو " ؟

--> 1 - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 55 ، في ذيل الآية الحاضرة . 2 - أصحاب السبت هم الذين ستأتي قصتهم في سورة الأعراف عند تفسير الآيات ( 163 - 166 ) وهم جماعة من اليهود كانوا قد كلفوا بتعطيل العمل والكسب في يوم السبت ، ولكنهم اشتغلوا بالصيد في ذلك اليوم بالرغم من نهى نبيهم ، فتجاوزوا في الطغيان الحد ، فابتلاهم الله بأشد العقوبات .